الرشوة وتخليق الحياة العامة: بين النصوص القانونية والتحديات المجتمعية
إذا كانت مجموعة من المشاكل تعوق التنمية بالمغرب، فإن تخليق الحياة العامة و محاربة الرشوة تشكل تحديا حقيقيا لا بد من ربح رهاناته، فما المقصود بتخليق الحياة العامة إذن؟ و ما الأدوات التي يمكن استعمالها لتحقيق ذلك لبلادنا؟ و كيف يمكن محاربة ظاهرة الرشوة؟
تستشري في جسد المجتمع المغربي عدة أمراض خطيرة و سلوكات اجتماعية من بينها: ظاهرة الغش، النصب و الاحتيال، التملص من أداء الضرائب و الرشوة بنوعيها الصغيرة و الكبيرة، هذه الأخيرة أصبحت منتشرة في شتى بقاع العالم و خاصة في العالم الثالث(المغرب) وهي من العقبات التي تعرقل نمو هذه البلدان.
إن الرشوة تزرع فقدان الثقة بين الأفراد و الجماعات لأنها تساهم بشكل كبير بأكل أموال الناس بالباطل، إلحاق الضرر بتنمية البلاد، زرع الضغينة، الحقد و الترف الفاحش غير المشروع.
إن تخليق الحياة العامة يعني تربية المواطن عن النزاهة في العمل بشكل متساو أمام القانون، لا إفراط و لا تفريط، و جعل الواجب الوطني في المقدمة و القناعة و الرزق.
اهتمت النصوص الشرعية من قرآن و سنة بعدم إلحاق الضرر بين الأمم الشعوب في جميع مناحي الحياة، حيث قال الله في كتابه العزيز:و لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل و تدلوا بها للحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم و أنتم لا تعلمون (1) وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم:من غشنا فليس منا(2).
’’ يعد مرتكبا لجريمة الرشوة، و يعاقب بالحبس من سنتين إلى
خمس سنوات و غرامة من ألف إلى خمسين ألف درهم، من طلب أو قبل عرضا أو وعدا أو طلب و تسلم هبة أو هدية أو أية فائدة أخرى... إذا كان مبلغ الرشوة يفوق مائة درهم تكون العقوبة السجن من خمس إلى عشر سنوات و غرامة من خمسة آلاف إلى مائة ألف درهم’’ (3).
كما حاولت القوانين الوضعية الوطنية و الدولية التصدي لظاهرة الرشوة، حيث أصدرت الدولة عدة قوانين زجرية في حق الراشي
والمرتشي. و حاولت تحسيس المواطن بأضرار هذه الظاهرة بواسطة جميع وسائل الإعلام و مجهودات وزارة التربية الوطنية، و عن طريق الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة.
وأصدرت الأمم المتحدة يوم 06 يناير كيوم وطني لمحاربة الرشوة و يوم 09 دجنبر كيوم عالمي لمحاربتها.
تقتضي محاربة ظاهرة الرشوة عدة خطوات من أهمها:
1]- اختيار نوع النشاط: اختيار نشاط ملائم يطرح مشكل الرشوة و يتطلب الحلول المناسبة لها كالعروض، المسرحيات، شريط وثائقي، عمل فني (الملصقات أو الرسوم الكاريكاتورية).
2]- اختيار الوسائل الملائمة لتنفيذ الخطة: و ذلك باستعمال أدوات تواصلية واضحة و ملائمة لمستوى الفئة المستهدفة، إضافة إلى توفير الأدوات اللازمة لإنجاز النشاط.
3]-إنجاز النشاط: كتشخيص ظاهرة الرشوة بمختلف أنواعها، (وصف ظاهرة الرشوة و تحديد مجالات انتشارها)، تحديد أسبابها و انعكاساتها الاقتصادية و الاجتماعية، ثم اقتراح حلول لمحاربة هذه الظاهرة...
4]- الفئة المستهدفة: تحديد هذه الفئة كأعضاء الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة(ترانسبارانسي المغرب). 5]- استثمار نتائج النشاط: العمل على نشر اقتراحات حلول لمحاربة الرشوة داخل محيطنا (الأسرة، الحي...) باستغلال اليوم الوطني لمحاربة الرشوة (06 يناير) أو اليوم العالمي لمحاربة الرشوة (09 دجنبر)
و على سبيل الختام، إن الرشوة مرض عضال لم ينفع معه علاج
و يصعب شفاؤه لأنه يضر بجسم المجتمع المغربي ومواطنيه رجالا و نساء. و في اعتقادي الشخصي، أن قلة وعي المواطنين هي التي تشجع هذه الآفة الاجتماعية و تسمح لها بالانتعاش، فلا غرابة إذن أن تتأسس جمعيات حقوقية كثيرة تعمل بجد على متابعة ملفات خطيرة في مختلف أنحاء الوطن. فترى الجرائد الوطنية بشكل شبه يومي تجاوزات المسؤولين الذين تم ضبطهم و تقديمهم إلى العدالة، حتى صاحب الجلالة، الملك ’’محمد السادس’’ نصره الله ذكر ذلك في خطاب له
ونص محاربة هذه الآفة الاجتماعية. على هذا الأساس، يجب على كافة المواطنين ترسيخ قيم مبادئ العدالة بشكل ديمقراطي لأننا كلنا سواسية أمام القانون. مصداقا لقول ’’إميل شارتي’’(آلان) في كتابه:’’ تأملات رجل من نورماندي’’:[ما الحق؟ إنه المساواة...و القوانين العادلة هي التي يكون الجميع أمامها سواسية] (4).
(1)- سورة البقرة، الآية188.
(2)-صحيح مسلم ورد في موسوعة الحديث الشريف، الكتب التسعة.
(3)- الفصل 248 من القانون الجنائي وفق آخر تعديل [قانون79.03].
(4)- ’’إميل شارتي’’ : ’’ تأملات رجل من نورماندي، غاليمار، 1920، الجزء الأول، ص: 120. 02/01/2014.صفاء جمال.
Comments
Post a Comment