فلسفة التربية: "هل نربي الإنسان ليكون حرا... أم ليخضع للنظام؟"

ملاحظة أولية: هذا المقال لا يُعد بحثا أكاديميا موثقا، وإنما هو محاولة تأملية أولية لمقاربة موضوع "فلسفة التربية" انطلاقا من بعض المحاضرات والقراءات الشخصية، مع الاستئناس بآراء عدد من الفلاسفة التربويين. أعتذر عن أي خطأ لغوي أو مفاهيمي، وأتطلع دوما إلى التعلّم والتطوير. يسعدني أن أشارككم ملخصا بسيطا جدا حول مادة "فلسفة التربية"... ليست التربية فعلا تقنيا بسيطا وإنما هي عملية معقدة تتداخل فيها الفلسفة، الأخلاق والسياسة. فحينما نتحدث عن التربية، فإننا نتحدث عن الإنسان في جوهره. يرى الفيلسوف "أوليفي ربول" أن التربية لا ينبغي أن تكون مجرد ترويض كما يُفعل مع الحيوانات، لذلك فهي مرتبطة بإنسانية الإنسان بمعنى أنها تساعده على الانتقال من "الحالة الطبيعية" إلى "الحالة الثقافية"، ليصبح كائنا اجتماعيا مسؤولا. التربية في هذا السياق، ليست مرتبطة فقط بالطفولة أو المدرسة، لكنها هي مشروع دائم يرافق الإنسان مدى الحياة. من هنا، تصبح التربية سيرورة تهدف إلى اكتمال "الإنسانية" داخلنا، وتطوير الكفاءات التي تساعد الفرد على أن يكون إنسانا بكل ما تحمله الكلمة من معنى. لهذا قال الفيلسوف "إمانويل كانط": "الإنسان لا يصبح إنسانا إلا بالتربية". لكن، عندما ننظر إلى التربية من منظور اجتماعي وسياسي، تظهر أمامنا إشكالات أعمق. هل تسعى الأنظمة السياسية لتربية مواطن حر؟ أم مواطن خاضع؟ إن معظم الأنظمة، بما فيها الديمقراطية، تعتبر أن التربية جزء من الأمن القومي، وترتبط بالقيم التي يجب على المواطن أن يستبطنها. ولكن، عندما تتدخل الإيديولوجيا، يتم غالبا التضحية بأحد أهم شروط التربية والحرية. إن ربط التربية بالقيم السياسية يجعلنا أمام سؤال كبير: هل نربي أطفالنا ليكونوا أحرارا؟ أم نُعِدّهم فقط ليندمجوا داخل نظام معين؟ التربية ليست نشاطاً تقنياً فقط، وإنما هي علاقة بين المربي والمتربي، تحكمها السلطة والمعرفة، وتكون نتائجها إما إيجابية أو سلبية حسب طبيعة هذه العلاقة. فحين تتحول السلطة إلى قمع، تفقد التربية معناها. أما حين تُمارس السلطة بروح أخلاقية وبتواصل تربوي عادل، فإنها تخلق جيلا ناقدا ومسؤولا. يرى الفيلسوف "بوركر" أن التفلسف في التربية يعني مساءلة القيم والمعايير، أي أن التربية لا تنفصل عن الأخلاق، ولا عن التأمل في ماهية الإنسان، لأننا عندما نُربي دون أخلاق، فإننا نُفرّغ التربية من معناها. من هنا، لا بد من إعادة التفكير في المشروع التربوي داخل مجتمعاتنا. فهل نسعى فعلا إلى تكوين إنسان حر، ناقد ومسؤول؟ أم أن التربية تحولت إلى وسيلة للتطويع والتدجين؟ هذه الأسئلة لا تخص الفلاسفة فقط، وإنما تخص كل أم وأب، كل أستاذ، كل مسؤول وكل مجتمع يسعى إلى مستقبل مختلف. بقلم: صفاء جمال خريجة ماستر المدرسة والتغير الاجتماعي، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة مولاي إسماعيل بمكناس.

Comments

Popular posts from this blog

الرشوة وتخليق الحياة العامة: بين النصوص القانونية والتحديات المجتمعية

فلسفة التربية من وجهة نظر فلسفية: بتاريخ 31/12/2019