Posts

عندما يتحول العطش إلى سوق للاستغلال: قراءة سوسيولوجية في علاقة الهشاشة الاجتماعية والممارسات التجارية

يشكل فصل الصيف لحظةً موسمية ترتفع خلالها الحاجة إلى استهلاك المياه، بفعل ارتفاع درجات الحرارة وتزايد التنقل والأنشطة خارج المنزل. غير أن هذه الحاجة الأساسية قد تتحول في بعض السياقات إلى فرصة لاستثمار هشاشة المستهلك ورفع هامش الربح، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالفئات محدودة الدخل والطلبة والمعطلين والأسر التي تعيش تحت ضغط القدرة الشرائية. ومن بين الممارسات التي تستحق التوقف عندها بيع قنينة مياه سعتها لتر ونصف بسعر ستة دراهم بدل خمسة دراهم، مع تبرير الزيادة بارتفاع تكلفة التبريد واستهلاك الكهرباء. وبصرف النظر عن مدى قانونية هذه الممارسة في كل حالة، فإنها تفتح نقاشاً أوسع حول العلاقة بين التكلفة التجارية، السعر، حماية المستهلك والأخلاق الاقتصادية. فالمستهلك لا يدخل دائماً السوق من موقع متكافئ مع البائع؛ إذ تتحدد قدرته على التفاوض والرفض وفق وضعه الاقتصادي والاجتماعي. وعندما تكون السلعة المعروضة مرتبطة بحاجـة أساسية مثل الماء خلال موجات الحر، تصبح إمكانية الامتناع عن الشراء محدودة، وهو ما يجعل العلاقة التجارية أكثر حساسية. يمكن فهم هذه الظاهرة ضمن مفهوم الهشاشة الاجتماعية؛ فالفرد الذي ي...

المغرب وقضية الصحراء: بين التحول الديبلوماسي والقيمي

تعد قضية الصحراء المغربية إحدى القضايا المركزية في السياسة الخارجية للمملكة، إذ شهدت خلال السنوات الأخيرة تحولات دبلوماسية متسارعة، أشارت إلى تنامي التأييد الدولي لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أساساً واقعياً وذا مصداقية لتسوية هذا النزاع. وفي هذا السياق، يبرز الموقف المالي بوصفه امتداداً لدينامية إقليمية ودولية تؤكد اتساع دائرة الدول الداعمة للوحدة الترابية للمغرب. فما هي دلالات التحول الذي تعرفه الدبلوماسية المغربية في قضية الصحراء؟ وإلى أي حد يجسد الموقف المالي هذا التوجه الدبلوماسي الجديد؟ وكيف يمكن تفسير هذه الدينامية من منظور سوسيولوجي؟ وما دور القيم الدينية القائمة على العدل والتعاون والوفاء بالعهود في تطوير العلاقات بين الدول؟ للإجابة عن هذه التساؤلات، يمكن القول، إن الدبلوماسية المغربية تشهد تحولاً نوعياً في تدبير هذا الملف، والذي يتجلى أساسا في فرض واقع ميداني وسياسي جديد قائم على الشراكات الإستراتيجية، الامتداد السوسيولوجي والترسيخ القيمي. على المستوى السياسي: يبين هذا التغير نجاح الدبلوماسية المغربية، التي يقودها جلالة الملك محمد السادس، في بناء شراكات إستراتيجية قائمة ...

الوعي البيئي ودوره في مواجهة التصحر بالمغرب: مقاربة سوسيولوجية ودينية

تُعد البيئة المجال الذي يمارس فيه الإنسان مختلف أنشطته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، لذلك ظلت العلاقة بين الإنسان والطبيعة علاقة تأثير وتأثر عبر التاريخ. غير أن التطور الصناعي، والتوسع العمراني، والاستغلال المفرط للموارد الطبيعية، أدى إلى ظهور اختلالات بيئية خطيرة، وفي مقدمتها ظاهرة التصحر - التي أصبحت تهدد الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي - في العديد من الدول، ومنها المغرب. ومن هذا المنطلق، يبرز التساؤل الآتي: ما المقصود بالوعي البيئي؟ وكيف يساهم في الحد من ظاهرة التصحر من منظور سوسيولوجي وديني؟ وما هي حدود المبادرات الميدانية بالمغرب؟ في بداية العرض، يجدر الوقوف عند مفهوم الوعي البيئي، إذ يرى عدد من الباحثين أنه يقوم على إدراك الإنسان للعلاقات البيئية، وفهم المشكلات التي تهددها، والوعي بأسبابها وآثارها، مع الاستعداد للمساهمة في معالجتها. وانطلاقا من هذا التصور، يتبين أن الوعي البيئي لا يقتصر على امتلاك المعرفة، بل يتجسد في سلوك حضاري يعكس الشعور بالمسؤولية، ويترجَم إلى ممارسات واعية، تساهم في حماية البيئة والحفاظ على توازنها واستدامة مواردها. ومن جهة أخرى، لا يمكن من المنظو...

خطاب العرش لسنة 2026: قراء سوسيولوجية وسياسية وقانونية واقتصادية في مضامين الرؤية الملكية

يشكل خطاب العرش إحدى أهم المحطات الدستورية والسياسية بالمملكة المغربية، إذ يتجاوز كونه خطابا احتفاليا إلى كونه وثيقة توجيهية ترسم ملامح السياسات العمومية، وتحدد أولويات الدولة، وتستشرف التحديات والرهانات الوطنية والإقليمية والدولية. ويكتسب هذا الخطاب أهمية خاصة لأنه يعبر عن رؤية استراتيجية شاملة، تجمع بين الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية، وتوجه مختلف الفاعلين نحو تحقيق التنمية المستدامة وتعزيز مكانة المغرب. وقد جاء خطاب العرش لسنة 2026 في سياق يتسم باستمرار التحولات الاقتصادية والاجتماعية، وبالاستعداد للاستحقاقات الانتخابية المقبلة، إلى جانب التحديات المرتبطة بالتنمية المجالية، والتشغيل، والاستثمار، وتعزيز الدولة الاجتماعية، والدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة. وفي هذا الإطار، أكد صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، أن المصلحة العليا للوطن يجب أن تبقى فوق كل الاعتبارات الحزبية والانتخابية، وأن خدمة المواطن هي المعيار الحقيقي لنجاح السياسات العمومية. ومن منظور سوسيولوجي، يعكس الخطاب اهتماما بتعزيز التماسك الاجتماعي وتقليص الفوارق المجا...

المظاهر الاجتماعية... عندما يصبح النجاح سبباً في تغيير العلاقات الإنسانية

لم تعد العلاقات الإنسانية بمنآى عن التحولات التي يعرفها المجتمع المعاصر، حيث أن النجاح المهني أو الاقتصادي، في بعض الحالات أضحى سبباً رئيسياً في إعادة تشكيل دوائر الصداقة والمعرفة. فبعد أن كانت الروابط تُبنى على التقارب الإنساني وتقاسم التجارب، أصبحت المكانة الاجتماعية، لدى البعض، معياراً لتحديد من يستحق القرب ومن يبقى على الهامش. فكيف يؤثر النجاح في طبيعة العلاقات الإنسانية إذن؟ هل يؤدي إلى تقوية العلاقات أم إلى إعادة تشكيلها؟ وإلى أي حد يمكن الحفاظ على العلاقات الإنسانية الأصيلة في ظل التحولات الاجتماعية الراهنة؟ للإجابة على هاته الإشكالية، يمكن القول بأن هذه الظاهرة، تتجلى في تغير سلوك بعض الأشخاص بعد حصولهم على وظيفة أو تحسين أوضاعهم المعيشية، إذ يبتعدون عن أصدقاء الأمس ويتقربون ممن يعتقدون أنهم يملكون المكانة أو النفوذ نفسيهما. وهنا تتحول الصداقة من قيمة أخلاقية إلى علاقة تحكمها المصلحة والصورة الاجتماعية. يفسر عالم الاجتماع الفرنسي "بيير بورديو" هذه الظاهرة من خلال مفهوم الرأسمال الاجتماعي، الذي يشير إلى أن شبكة العلاقات قد تصبح وسيلة للحصول على المكانة أو النفوذ أ...

"العدالة التربوية: تبدأ من هدوء قاعة الامتحان".

في صباح يوم الأربعاء 3 يونيو 2026، وأثناء اجتياز امتحان الدورة الربيعية في مادة الإشهار، وجدت نفسي أمام وضعية تستحق التأمل من زاوية سوسيولوجية وتربوية. فالامتحان هو لحظة لقياس المعارف من جهة، وفضاء اجتماعي، تتوفر فيه شروط التركيز والطمأنينة والعدالة بين جميع المترشحين من جهة أخرى. غير أن التكرار المستمر لبعض السلوكات داخل القاعة، كطرق الطاولة بشكل متكرر أو الوقوف المطول بجانب أحد الطلبة، يمكن أن يتحول من ممارسة تنظيمية عادية إلى مصدر للتشويش الذهني والضغط النفسي. فعندما يكون الطالب منهمكا في تنظيم أفكاره وصياغة أجوبته، فإن أي تدخل خارجي متكرر، يقطع خيط التركيز الذي يعد عنصرا أساسيا في الأداء المعرفي. لقد نبهت الأستاذ بكل احترام إلى أن الطرق على الطاولة، يؤثر على تركيزي، فاعتذر مشكورا، لكن الأمر تكرر أكثر من مرة. كما أن الوقوف المتكرر بجانب المترشح، يولد لديه شعورا بالمراقبة المفرطة، حتى وإن لم تكن هناك نية مسبقة لذلك. ثم إن تحريك الأدوات والكتب وإحداث أصوات جانبية داخل فضاء الامتحان، لا ينسجم مع الشروط النفسية التي يحتاجها الطالب لاستحضار معارفه بشكل سليم. وعليه، فإن جودة التقوي...

من أجل ثقافة تنظيمية أرقى داخل فضاء الامتحان الجامعي

يعد الامتحان الجامعي لحظة أكاديمية مهمة، تتطلب الهدوء والتركيز والانضباط، غير أن بعض الممارسات التنظيمية المصاحبة له قد تُحدث نوعا من الارتباك داخل القاعة. ومن بين هذه الممارسات مطالبة الطلبة، عند نهاية الامتحان، بالتوجه جماعيا نحو مكتب الأستاذ من أجل التوقيع أو التأكد من بعض الإجراءات الإدارية، الأمر الذي يؤدي في كثير من الأحيان إلى الازدحام والتدافع والتشويش على الطلبة الذين ما زالوا يكتبون أجوبتهم أو يراجعون أوراقهم. وتتجلى وظيفة المؤسسة من زاوية سوسيولوجية، في نقل المعرفة من جهة، وتساهم في ترسيخ قيم النظام واحترام الفضاء المشترك من جهة أخرى. لذلك لابد من اعتماد آلية أكثر تنظيما، والتي تتمثل في مرور الأستاذ أو المراقب على الطلبة واحدا تلو الآخر أثناء جلوسهم في أماكنهم من أجل التوقيع أو التحقق من المعطيات اللازمة قبل تسليم الورقة، من شأنه أن يخفف من مظاهر الفوضى ويضمن سير الامتحان في أجواء أكثر هدوءا وانضباطا. إن هذا الإجراء البسيط بهذا المعنى، يبين احترام الوقت والجهد الجماعي، ويجنب الطلبة حالة التوتر التي ترافق الازدحام في الدقائق الأخيرة من الامتحان. كما أنه يساهم في تحق...