التربية... من يحتاج فعلا إلى إعادة التربية؟
في زمن تحوّلت فيه التربية إلى شعار يُرفع عند الحاجة فقط.
لقد أصبح من الصعب أن نُميّز من يحتاج فعلا إلى التربية أو إعادة التربية. فالتربية ليست مجرد شعارات، وإنما هي سيرورة إنسانية عميقة، تُصنع من القيم، الثقافة والإدراك بالمسؤولية.
إن الإنسان، بصفته الكائن الوحيد القادر على التربية لأنه يمتلك ما لا تمتلكه الكائنات الأخرى:وهي العقل الذي من خلاله يستطيع أن يعي ذاته يدرك وجوده ويطوّر ثقافته. لذلك فالثقافة، حسب الكثير من الفلاسفة والسوسيولوجيين، ليست ترفا وإنما هي ما يُخرج الإنسان من "الحالة الطبيعية" إلى "الحالة الاجتماعية". فالتربية بهذا المعنى، هي الباب نحو الثقافة والإنسانية.
غير أن بعض الخطابات المنتشرة اليوم، سواء في المجتمع أو حتى في مؤسسات مسؤولة، تُفرغ التربية من معناها وتحوّلها إلى نوع من "التحكّم" أو "الإذلال". يُقال "يجب إعادة تربيتهم" في إشارة إلى الشباب أو النساء أو أي فئة تختلف في الرأي أو السلوك. وكأن التربية صارت أداة قمع وليست بناء.
في الحقيقة، من يحتاج إلى "إعادة التربية" هم أولئك الذين يصرخون في البرلمان وكأنهم في السوق، يشتمون كل مٌخالف ويتعاملون مع الشعب بتعالي وجهل. هؤلاء لم يقرأوا الفلسفة ولا حتى علم الاجتماع، لم يدرسوا معنى "التنشئة الاجتماعية" ولا "المواطنة" ورغم ذلك يتوهمون امتلاك الحقيقة المطلقة.
لقد درسنا التربية في جميع أبعادها: في اللغة، في الفكر، في الفلسفة وفي العلوم الإنسانية. ومع ذلك، لازلنا نتعرض لخطاب فوقي يختزل التربية في سلطة الصوت العالي وليس في قوة الحجة أو عمق الفكر.
إننا لا نعيش في غابة ولسنا قطيعا. نحن بشر نسعى إلى التضامن، إلى التقدّم وإلى بناء مجتمع عادل ومنظم. فهل من يصرخ ويشتم ويحتقر هو فعلا من يُعلّم؟ أم من يحتاج هو نفسه إلى أن يتعلّم؟
بقلم: صفاء جمال شهر نونبر سنة 2020.
خريجة ماستر المدرسة والتغير الاجتماعي
كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة مولاي إسماعيل بمكناس
Comments
Post a Comment